ميكايلا أولمر... حقّقت الملايين بفضل لسعة نحلة

 

 

أجمل ما في قصّتنا لهذا الأسبوع أنّ البطلة كانت في الرابعة والنصف من عمرها عندما بدأتها! وليس عجيباً هذا الأمر بقدر السبب الذي دفع الطفلة "ميكايلا أولمر" أن تُصبح رائدة أعمال بهذه السنّ الصغيرة

 

كما يقول المثل الإنجليزي الشهير، "عندما تمنحك الحياة ليموناً حامضاً، قُم بتحضير الليموناضة"، الكثير من الأشخاص يصنعون مِن التحدّيات والصعوبات التي تُقابلهم في الحياة شيئاً جميلاً قد يتمثّل في مشروعٍ معيّن أو فكرة اختراع أو كتاب إلخ. فما كان "الليمون" بالنسبة إلى ابنة السنوات الأربع؟ لم يكن غير لسعات النحل! فبينما كانت ميكايلا تزور جيرانها مع عائلتها، لسعتها نحلة عسل في رقبتها، وفي الأسبوع الذي تبعه مباشرةً لسعتها نحلة أخرى مجدّداً في أُذنها! وكانت النتيجة أن أصبح النحل عدوّ ميكايلا الأوّل، إذ فكّرت المسكينة أنّها ستتعرّض للسعات النحل في كلّ مرّة تُغادر البيت، ولم تعد ترغب في الخروج أصلاً... إلى أن تدخّل والداها وقالا لها بالحرف "ميكايلا، هذا خياركِ إذا كنتِ تُريدين الاستمرار بالخوف مِن النحل، ولكن هذا القرار سيحرمكِ مِن الخروج والاستمتاع بالأشياء الجميلة التي تُحبّينها، أو يُمكنكِ أن تتعرّفي على عالم النحل أكثر وتبحثي للاطّلاع عليهم قبل أن تغضبي عليهم." وهكذا كان. ذهبت ميكايلا إلى المكتبة القريبة مع والدتها لتستعير ما استطاعت مِن الكتب المصوّرة حول عالم النحل الذي أرادت أن تعرف كلّ شيءٍ عنه، وشاهدت أيضاً الفيديوهات لتتفاجأ بأثر النحل الرائع على أسلوب حياتنا! فليس النحل مسؤولاً فقط عن صنع العسل (الذي يختصّ بتحضيره نحل العسل دون غيره) ولكن له الفضل أيضاً في حصولنا على ثلث الطعام الذي نستهلكه يومياً والذي يعتمد على تلقيح النحل للمحاصيل الزراعية والنباتات، إلى جانب الفوائد الأخرى التي نجنيها مِن وجوده بيننا. ولكنّ ما أقلق ميكايلا هو انخفاض أعداد النحل بمعدّل مرتفع سنوياً، وهو الأمر الذي غيّر تفكيرها مِن النقمة عليهم إلى رغبتها في مساعدتهم

 

ذلك الصيف كانت ميكايلا قد اشتركت في معرض يهدف إلى تنمية مهارات الصغار في إنشاء أعمالٍ حرّة، وكان عليها أن تختار مُنتجاً لتبيعه. ودفعها الحماس لحماية النحل أن تبيع ليموناضة تُحضّرها بنفسها وتُحلّيها بالعسل لتتبرّع بجزءٍ مِن ربحها إلى جمعيّات تنمية النحل ودعم النحّالين. وسرعان ما تذكّرت وصفة عمّتها الموضوعة في زاوية المطبخ لتحضير ليموناضة ممزوجة ببذور الكتّان لتصنع من المطبخ معملاً تجري فيه التجارب حول الخلطة المثالية لهذا العصير! وكان هذا أوّل مشروعٍ تشترك به ميكايلا وتكسب منه وتستقطع من ربحه للتبرّع! وبعد ذلك داومت ميكايلا على وضع كشكها الصغير لبيع الليموناضة عدّة مرّات في السنوات التي تلت في أمكنة مختلفة مِن مدينة أوستن، حيث تقطن في الولايات المتّحدة، وكانت في كلّ مرّة تشهد إقبالاً من الزوّار على تناول مشروبها اللذيذ، حتّى طلب منها أحد أصحاب المطاعم أن يبيع المشروب لزبائنه. وكانت هذه بداية دخولها عالم ريادة الأعمال لأنّ صاحب المطعم كان يُريد أن يرى مُنتجاً معلّباً، فكان عليها أن تُجري بحثاً حول كيفيّة تعبئة العصير مع والديها اللذين لم يرفضا هذا الطلب بل قابلاه بكلّ رحابة صدر. وبعد بحثٍ طويلٍ ومقابلاتٍ أطول أصبح لميكايلا مشروباً تجارياً بنكهاتٍ مختلفة بالعسل مُعبّأً في زجاجاتٍ أنيقة مع الاسم الذي اختارته بنفسها وصورة جميلة لها تُزيّن كلّ زجاجة. وسرعان ما لفتت ليموناضتها انتباه المتاجر الكبيرة في المدينة سيّما محلّات الأغذية الكاملة مثل "هول فودز" (التي استحوذت عليها شركة أمازون فيما بعد) لتبدأ ميكايلا توسّعها وحملاتها التسويقية

 

وحينها بدأت تكتشف أنّ القيَم في عالم الأعمال قد تختلف بحسب الأشخاص الذين يُديرون هذه الأعمال. فكثيراً ما كانت تسمع تعليقاتٍ عنصريّة مِن أشخاص يشترطون عليها أن تحذف صورتها مِن ملصق الزجاجة أو تقوم بوضعها في الخلف بدل الجهة الأمامية مِن القنّينة ليقبلوا ببيعها في متاجرهم. وهنا كان على ميكايلا التفكير ملياً بالقيَم العليا التي تُثمّنها، فالهدف الأساسي مِن وضع صورتها على الزجاجة هو أن تكون مصدر إلهامٍ للصغار في مثل سنّها (كانت وقتها في الحادية عشرة مِن عمرها) فلم تقبل أن تتخلّى عن هذا الدافع وأن تتنازل لمثل هذه الطلبات المُعيبة بحقّها

 

أمّا الخطوة التالية التي كان لها الأثر الأكبر في مشروعها النامي فكانت ترشيح غرفة التجارة الأمريكيّة الإفريقية لها كي تتقدّم للاشتراك في البرنامج التلفزيوني الشهير "شارك تانك". وكانت فكرة البرنامج تقوم على لقاء خمسة مستثمرين كبار بأصحاب مشاريع ناشئة ليختاروا مِن بينها المشاريع التي تستحقّ دعمهم مقابل نسبة معيّنة مِن الأرباح. لم يتحمّس والداها للفكرة في بداية الأمر، فهما لاحظا حدّة المستثمرين أمام روّاد الأعمال مهما صغر سنّهم، ولم يرغبا في تعريض ابنتهما للموقف ذاته، ولكن ميكايلا أصرّت أن تشترك بالمرحلة الأولى على الأقل في سبيل التجربة والتسلية. وإذ بها تكسب الجولة الأولى ثمّ الثانية إلى أن وصلت إلى المرحلة النهائية واستطاعت أن تُقنع رجل الأعمال الكبير "دايموند جون" باستثمار مبلغ 60 ألف دولار أمريكي مقابل حصوله على نسبة 25% مِن الأرباح. وقتها تصدّرت ميكايلا عناوين الصحف والمجلات ووكالات الأخبار التي تحدّثت بحماسة عن ظهور ابنة الحادية عشرة سنة وفوزها حيث انبهر بها المشاهدون والمستثمرون على حدٍّ سواء

 

عقب تلك الحلقة الشهيرة تفاجأت ميكايلا بخبرٍ أقلقها عندما علمت بوجود شركة أخرى موجودة قبلها وتستخدم اسمها التجاري ذاته، بل وتُطالبها هذه الشركة بتغيير اسم شركتها وسحب البضائع مِن السوق لتغيّر الاسم أو في الحالة الأخرى دفع مبلغٍ مرتفع جداً لشراء الاسم! ومع أنّها كانت رافضة في البداية أن تستغني عن الاسم ولكن والدها شجّعها أن تتنازل قليلاً في مثل هذه المواقف، ففي بعض الأحيان "قد نخسر المعركة في سبيل أن نكسب الحرب."  كان عليها مجدّداً أن تنظر إلى القيمة العالية والهدف المنشود مِن فكرة مشروعها التي كان النحل أساسها

 

استمرّت ميكايلا بالتوسّع ونيل الشهرة حتّى لفتت إليها أنظار البيت الأبيض! إذ دعتها السيّدة الأولى آنذاك ميشيل أوباما فالتقت بها وبالرئيس لتتمّ دعوتها مرّة أخرى إلى مؤتمر قمّة لشؤون المرأة حيث كان لها شرف تقديم الرئيس باراك أوباما. وازدهرت شركة ميكايلا ونجحت أن تجد لليموناضاتها اللذيذة مكاناً للعرض في أكثر مِن 1800 متجر وسط أكثر مِن 40 ولاية، وقد باعت حتّى الآن أكثر مِن مليونَي زجاجة عصير لتصل القيمة الصافية لشركتها إلى أكثر مِن 5 ملايين دولار. بالإضافة إلى ذلك، استطاعت أن تُنشئ جمعيّتها غبر الربحيّة الخاصّة لتقوية النحل وتنمية أمور الأعمال الحرّة للصغار، كما أنّها ألّفت كتاباً عن تجربتها في ريادة الأعمال مُناسب للصغار والكبار

 

 

قصّة ميكايلا غنيّة بدروسٍ وعِبَر أحببنا أن نُسلّط الضوء عليها هنا

 

مِن الواضح أنّ الأسلوب الذي اتّبعاه والدا ميكايلا في تربيتها يتميّز بقدرٍ وافرٍ مِن الاحترام ومنح الخيارات بدل إجبارها على اتّباع الأوامر، مثل إعطائها الخيار في البقاء داخل المنزل أو التعرّف أكثر إلى عالم النحل. كما أنّ انفتاحهما على الفرَص التي عُرضت عليهم جميعاً - في موضوع تعبئة العصير مثلاً أو الاشتراك في برنامج "شارك تانك" دفعهم للبدء بخطوة بسيطة أدّت إلى مشوار الألف ميل

 

إدراك القِيَم الشخصية والانسجام معها يُسهّل على الإنسان عمليّة اتّخاذ القرارات. وفي حالة ميكايلا، قيمة إلهام الصغار في مثل سنّها كانت واضحة وأكثر أهمّية مِن قيَم أخرى كإرضاء الآخرين وتحصيل الأرباح، ففضّلت أن تُبقي صورتها على غلاف العبوة بدل الرضوخ لطلبات بعض التجّار. إنّها ميزة يمتلكها معظم الناجحين الواضحين مع قيَمهم، فلا يدخلون دائرة التردّد والتشتّت

 

عندما يتعلّق الأمر بالتحدّيات الموجودة في الحياة اليومية والعملية، الخيار متروكٌ لنا في كيفية التعامل معها، فإذا اعتبرناها حافزاً للسير إلى الأمام كان تعاملنا معها مختلفاً عن نظرتنا إليها كنقمة أو عائق. على صغر سنّها، اختارت الطفلة الصغيرة أن تكون لسعة النحلة حافزاً لها لتتعلّم أكثر عن هذا العالم الجديد، فكيف لو كانت مصرّة على كراهية النحل؟ هل كانت ستصل إلى ما هي عليه اليوم؟ الإبداع بتحويل الأمور المؤلمة إلى نِعمة هي آلية تفكير تستأهل أن يتبنّاها الإنسان، وهي بالضبط كالعضلة، تحتاج إلى التدريب

 

هذا يقودنا إلى أهمّية الفضول في حياة كلٍّ منّا، وفي الطريقة التي نعيش بها أيّامنا التي قد تتّصف بالرتابة والروتين الزائد لو لم يكن الفضول حاضراً فيها. فكما تقول الشيف روث رايشل، أحد أسباب الحفاظ على شبابك هو أن تُنجز أموراً لا تعرف كيفية القيام بها، أن تتعلّم باستمرار

 

بحسب ميكايلا، مِن الضروري أن يكون خلف المنتَج والشركة التي تمتلكه وتُسوّق له رسالة أعظم من كلّ ذلك، وغاية نبيلة تُوجّه الأعمال التجاريّة وتُحفّزها وتكون وقوداً لها خصوصاً عند ظهور التحديات

 

العمر مجرّد رقم، وكما شهدنا في هذه القصّة بالذات، قد تتولّد البدايات في أيّ وقت وفي أيّ عمر مهما صغر الإنسان أو كبر

 

قد نحتاج إلى أن نتخلّى عن بعض الأشياء للسير بمشاريعنا وحياتنا أكثر مِن التمسّك بأمورٍ معيّنة قد تضرّ بنا أو تمنعنا أثناء المسير. لم يكن سهلاً على عائلة أولمر أن تتخلّى عن اسم العلامة التجارية للشركة عندما كانوا مطالَبين بتغييره. وكان التمسّك بهذا الاسم يعني وقوعهم في مشاكل وعوائق هم في غنى عنها

 

قبل اتّخاذهما القرار بالاشتراك في برنامج "شارك تانك" التلفزيوني، استمع والدا ميكايلا إلى محاولاتها لإقناعهما بالاشتراك في أوّل دورةٍ من البرنامج فقط بدون التطلّع إلى أيّ نتيجة. وهنا درسٌ في الإقبال على التجربة بغضّ النظر عن الفوز والخسارة

 

لا تستهِن ببساطة العمل الذي تقوم به، فقد يبدو لك عادياً إلاّ أنّ تأثيره المستقبلي على العالم مِن حولك قد يبلغ قدراً عظيماً يتجاوز طموحاتك وتوقعاتك

 

قد يتهيّأ لبعض الأشخاص أنّ سلبيات الثروات الطائلة أكبر مِن إيجابيّاتها، ولكن ندعو هؤلاء الأصدقاء أن يُعيدوا تقييم هذا الانطباع لديهم لأنّ الدرس في هذه القصّة بالذات يقودنا إلى نتيجة واضحة، وهي أنّ ميكايلا خدمت النحل مِن موضع ثرائها بطريقة أكبر وأعظم مِن قدرتها على مساعدتهم قبل أن تُكوّن هذه الثروة

 

 

Leave a comment